صديق الحسيني القنوجي البخاري
384
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمراد بالويل هنا شدة العذاب أو نفس العذاب أو الشر الشديد أو هو واد في جهنم . قال الكلبي « قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم ، ويستوفون لأنفسهم فنزلت هذه الآية » . وقال السدي قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة وكان بها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان ، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل اللّه هذه الآية . قال الفراء : هم بعد نزول هذه الآية أحسن الناس كيلا إلى يومهم هذا . وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما نقص قوم العهد إلا سلط اللّه عليهم العدو ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين » وهذا الوعيد يلحق كل من يأخذ لنفسه زائدا أو يدفع إلى غيره ناقصا قليلا أو كثيرا ، لكن إن لم يتب منه فإن تاب قبلت توبته ، ومن فعل ذلك وأصر عليه كان مصرا على كبيرة من الكبائر ، وذلك لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر الكيل والوزن والزرع ، فلهذا السبب عظم اللّه أمر الكيل والوزن . ثم بين سبحانه المطففين من هم فقال : الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ الاكتيال الأخذ بالكيل ، قال الفراء يريد اكتالوا من الناس ، « وعلى » « ومن » في هذا الموضع يعتقبان ، يقال اكتلت منك أي استوفيت منك وتقول اكتلت عليك أي أخذت ما عليك ، قال الزجاج : إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل . قال الزمخشري : لما كان اكتيالهم اكتيالا يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل « على » مكان « من » للدلالة على ذلك ، ويجوز أن يتعلق « بيستوفون » وقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية أي يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها قال السمين : وهو حسن . ولم يذكر اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما يدل على الآخر ، قال الواحدي قال المفسرون : يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن ، وإذا باعوا ووزنوا لغيرهم نقصوا وهو معنى قوله : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذفت اللام فتعدى الفعل إلى المفعول فهو من باب الحذف والإيصال ، ومثله نصحتك ونصحت لك كذا قال الأخفش والكسائي والفراء . وقال الفراء : سمعت أعرابية تقول إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل ، قال وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس .